الجمعة، 8 يونيو 2012

مؤتمر القومي: حردان أمام انتخابات جدّية



لم يكن احتفال الحزب السوري القومي الاجتماعي في عكار منتصف الشهر الماضي مزحة: حضرت هناك بالفعل مئة سيدة، ونحو مئتي طفل لم يبلغوا الخامسة عشرة من عمرهم. باركت الأمهات ذهاب الأطفال إلى الاحتفال رغم كل المخاطر التي حامت حوله. ورغم تحفظ القوميين على العبارة التالية، فإن «غالبية الحاضرين كانوا من الطائفة السنية». يصعب على المشاهد، فكيف بالقارئ، التصديق. ثمة حزب ــــ ليس فيه مسؤول كاريزماتي واحد اليوم، ولا يملك تلفزيوناً، فيما يكتب النائب السابق ناصر قنديل افتتاحية أسبوعية في صحيفته، وخطابه السياسي غير مذهبي، ولا يوزع السلاح بوتيرة غيره، ولا يفرّغ غير الحد الأدنى من الشباب، ويأخذ أرواحاً وأشياء أخرى (في عكار أقله) أكثر بكثير مما يعطي ــــ يجذب إلى مجزرة متوقعة مئة سيدة ومئتي طفل. مرة أخرى: ثمة حزب يرأسه النائب أسعد حردان الذي نادراً ما يطل إعلامياً وسياسياً لتحظى الأجيال الطالعة بفرصة التعرف إليه، حزب تناسى منذ أكثر من عقدين العمل العسكري المقاوم، حزب يعلم من يرى مسؤول الشباب فيه أين اختفت منظمة الطلاب، حزب لا يصدر بياناً من دون أن يفرغ أحد مسؤوليه كل ما في جعبة الممانعة من أخشاب. هذا الحزب يستقطب منتسبين جدداً في مقتبل العمر.



هذا جزء من الصورة. في جزئها الآخر نقاش يحتدم في أكثر من صالون قومي يتعلق باكتشاف النظام السوري في سوريا وحلفائه اللبنانيين في لبنان أن القوميين هم الثابتون الوحيدون على مبادئهم في مناطق الجنون المذهبي. ولو كان القومي أقوى سياسياً وشعبياً، لكان التوازن أكثر جدية بين القومي والقوى المذهبية في بعض المناطق السورية واللبنانية.
بنتيجة الصورتين السابقتين، ثمة قومي يشعر بخطورة المرحلة وقومي مستهتر. قومي يقدّر حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه وآخر يحذر من أن يُدفّعه النظام السوري ضريبة الحرب بعد أن دفّعه ضريبة السلم. قومي يريد أن يستغل اللحظة ليتوسع شعبياً محاولاً احتضان كل من يرى نفسه خصماً للسعار المذهبي ــــ السياسي القائم، وقومي يريد أن يحفظ رأسه. وبين كل قومي وآخر، قومي مصلح أو قومي «معصّب» أو قومي وصولي. لكن، وبدل أن يفترق هؤلاء كما يحصل في غالبية الأحزاب الأخرى وكما سبق وحصل في الحزب القومي نفسه مرات عدة، تراهم في نهاية هذا الأسبوع يجتمعون على أرض أنطون سعادة في بلدة ضهور الشوير المتنية، ليعقدوا يوم السبت مؤتمراً عاماً يتحدث فيه رئيسا السلطة التشريعية في الحزب محمود عبد الخالق والسلطة التنفيذية النائب أسعد حردان. يليه، الأحد، دورة للصندوق الانتخابي على المندوبين (عددهم في القوائم الانتخابية 381) والأمناء (عددهم 420) لينتخبوا سبعة عشر من رفقائهم، يمثلون المجلس الأعلى للحزب القومي الذي يلتئم بدوره خلال عشرين يوماً لينتخب رئيس الحزب.
ووسط هؤلاء يبدو أن حردان بات مضطراً إلى خوض انتخابات جدية ليحافظ على موقعه زعيماً للقوميين.
لا لوائح بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما مجرد تحالفات أولية لن تتبلور ملامحها النهائية قبل اليوم. الأكيد أن فريقين يخوضان الانتخابات هذه المرة، للمرة الأولى منذ أكثر من عشر سنوات. الفريق الأول يرأسه حردان ويضم الوزير علي قانصو، النائب السابق غسان الأشقر ورئيس المجلس الأعلى الحالي محمود عبد الخالق، إضافة إلى عشرات القوميين، سواء الذين شابوا في خدمة القيادة مثل نائب رئيس الحزب توفيق مهنا وعميد التربية صبحي ياغي، أو الذين يشبون على ذلك مثل عميد الإذاعة والإعلام حسان صقر وعميد الاقتصاد قيصر عبيد. فيما عرف الفريق الثاني كيف يلمّ شمل المستائين من القيادة الحالية والمتضررين منها والمبعدين عن مراكز صناعة القرار، من دون أن يقدم هذا الفريق رمزاً له. يسجل أحد المتابعين ما سبق كنقطة إيجابية للشباب الذين يتقدمهم في النقاشات مجموعة أمناء مثل أحمد أصفهاني ومحمود خريباني وربيع زين الدين ووليد عبد الرحيم وإيلي الغصّان. وهؤلاء «حريصون على عدم تحويل المعركة من سياقها الحالي، كتنافس لإعادة الحزب إلى منطلقاته الأساسية وإصلاح وضعه الإداري، إلى معركة شخصية ضد النائب حردان». أما ثالث الايجابيات فتكمن في كلام المقربين من حردان أنفسهم عن رفقائهم المتحمسين: ينتقد هؤلاء برنامج الشباب لاتكاله على كلمة «يجب»، بدل تقديم رؤية وتعداد الموارد والالتزام بجدول زمني لتنفيذ الأحلام، ومن دون أن يقدموا برنامجهم المضاد المتكامل. ويقول من يتولون قيادة الحزب، بشكل أو بآخر منذ أكثر من 15 عاماً، إن «الشباب مجربون». مع تأكيد هؤلاء أن القيادة الحالية التي تشتهي التجديد تعلم أن الإصلاح والتطوير ضروريان، وهي تبذل جهداً كبيراً على هذا الصعيد، لكنه يبقى محكوماً بالإمكانيات المتواضعة للحزب.
السبت المقبل سيحضر القوميون من كل لبنان وغالبية سوريا وبعض فلسطين ودول الاغتراب. يحمل أحد رؤساء الحزب السابقين حلاً في جيبه يوائم بين طموحات المتصارعين. لكن في حال عجز عن إخراج يده من جيبه، فإنها لن تكون نهاية أسبوع عادية في ضهور الشوير: فوز القيادة الحالية يعني نزوع مجموعة جديدة عاجلاً أم آجلاً إلى قوائم القوميين المحبطين اجتماعياً وحزبياً. أما خسارتها فتعني أن أولئك الأطفال الذين كانوا يهتفون بحماسة في حلبا: «ما نريده هو ما نحن» كانوا يعلمون معنى ما يقولون.
غسان سعود


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق